الجاحظ

180

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

ولصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق . ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالا لم تسر ، ولم تجر مجرى النوادر . ومتى لم يخرج السامع من شيء إلى شيء لم يكن لذلك عنده موقع . قال : وقال بعض الشعراء لرجل : أنا أقول في كلّ ساعة قصيدة ، وأنت تقرضها في كل شهر . فلم ذلك ؟ قال : لأني لا أقبل من شيطاني مثل الذي تقبل من شيطانك . قال : وأنشد عقبة بن رؤبة ( أباه رؤبة ) بن العجاج شعرا وقال له : كيف تراه ؟ قال : يا بنيّ إن أباك ليعرض له مثل هذا يمينا وشمالا فما يلتفت إليه . وقد رووا مثل ذلك في زهير وابنه كعب . قال : وقيل لعقيل بن علّفة : لم لا تطيل الهجاء ؟ قال : « يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق » . وقيل لأبي المهوّش : لم لا تطيل الهجاء ؟ قال : لم أجد المثل النادر إلا بيتا واحدا ، ولم أجد الشعر السائر إلا بيتا واحدا . قال : وقال مسلمة بن عبد الملك لنصيب الشاعر : ويحك يا أبا الحجناء ، أما تحسن الهجاء ؟ قال : أما تراني أحسن مكان عافاك اللّه : لا عافاك اللّه ! ولاموا الكميت بن زيد على الإطالة ، فقال : « أنا على القصار أقدر » . وقيل للعجاج : ما لك لا تحسن الهجاء ؟ قال : هل في الأرض صانع إلا وهو على الإفساد أقدر . وقال رؤبة : « الهدم أسرع من البناء » . وهذه الحجج التي ذكروها عن نصيب والكميت والعجاج ورؤبة ، إنما ذكروها على وجه الاحتجاج لهم . وهذا منهم جهل إن كانت هذه الأخبار صادقة وقد يكون الرجل له طبيعة في الحساب وليس له طبيعة في الكلام ،